الفصل الرابع عشر
البهتان
ـــ " لمّا كنت صبيا" مفرط الخجل فقد كتمت انحرافات شريف و مراد عن اسرتي، كانت المسألة بالغة الحساسية بالنسبة الي شخص خجول مثلي. في الواقع لم يخطر على بالي حتى مجرد التفكير بتييلغ شقيقتي فاتن أو احد افراد عائلتي عما كان يقترفه شريف من إثم... كانت المسألة بالغة الحساسية كما قلت لك منذ قليل ، تصور يا سامي أن مجرد التفكير في اعلام عائلتي لم يخطر لي على بال، كنت اخجل من ان افعل ذلك بمسافات ضوئية.
" كانت شقيقتي "فاتن قد تزوجت ثم انتقلت الي بيت زوجها جمال عليّ الذي ترك بيت السطح و اكترى منزلا آخر يقع على بعد 800 متر من شقتنا. في نفس الشارع الرئيسي الذي تحتله عمارتنا، وكانت امي زهوة قد بدأت تمارس ساديتها في شقيقتي ، حتى كانت تمنعها حتي من قطعة خبز تحتاج اليها بعد مرور وقت معقول من الوجبة الرئيسية، فقد كانت للعجوز الرهيبة خزانة تخفي فيها سلة الخبز كي لا تكون في متناول شقيقتي عند الطلب . كانت شقيقتي تكابد جوعا صوماليا، رغم ان الطعام متوفر في الجزائر، ولم تكن افقر العائلات في بلادنا تعاني الم الجوع، ربما كانت تعاني الم الحرمان من بعض المواد التي كانت تعتبر كمالية مثل الحليب و الياغرت و الجبن و المربى و الفواكه، ولكن الخبز و الأطعمة الخالية من اللحم كانت في متناول للجميع ..لم اعان يوما من الجوع ولكن شقيقتي كانت تعاني من ذلك رغم ان زوجها كان موظفا محترما، لأجل ذلك كانت تتوجه مباشرة الي مطبخنا كلما امكن لها زيارتنا .
في السنة الدراسية الثانية و ذات يوم من شهر جانفي، و حين خرجنا في فسحة ما بين الدرسين، كانت الأمطار تنهمر بغزارة ...و كان التلامذة مجتمعين تحت سقف المدرسة.. كانوا من كبار تلامذة فصلي، و كنت لا اختلط بهم في الظروف العادية، فقد كنت اذهب بعيدا حيث الخضرة و الشجر، حتى استمتع بعزلتي و آمن معاكساتهم و عواقب الإختلاط بهم .
حين وصل رشيد الي هاته النقطة اطرق براسه الى الأرض، ثم وضع مرفقيه على فخذيه وغطي وجهي بكلتا يديه ثم تنهد بعمق و سكت . بعد قليل سمعته يقول في لهجة بالغة التأثر :
كان هناك زميل كبير السن اسمه" "المزّي "، نعم "المزّي هو كذلك، اللعنة، ما زالت اذكر هذا الإسم اللعين حتى بعد مرور أكثر من 45 سنة .. ما زلت اذكر ملامحه ، لم اذكر انني تبادلت مع هذا المخلوق كلمة واحدة خلال اربعة اشهر من تواجدنا في فصل واحد. ماذا صنعت له حتى يحول حياتي الي جحيم حقيقي ؟ كان في حوالي السادسة عشر من العمر، كان من صنف كبارالتلامذة بينما كنت من صنف الصغار. كان ذلك الصنف مختلفا عن صنفي في كل شيء في الشكل و الإهتمامات كان لهم عالمهم الخاص..كان شريف يخالطهم و كان ينقل الي مغامراتهم النسائية، ذكر لي اسماء تلامذة ذهبوا الي محل الدعارة و عاشروا النساء، كانوا رجالا بالغين و كنت صبيا خجولا يشبه اخته " هنا شرع رشيد يبكي ."
ما أقسى الحياة،، هكذا كتب على الإنسان ان يعايش ذكراته المؤلمة حتى القبر، ما ابشع ان تكون تلك التجارب القاتلة و الذكريات المدمرة في مطلع عمر الإنسان فتكون وسيلة تعذيب طويلة ألأمد
ليت في امكاننا محو ذكرياتنا المؤلمة كما نمحو من شريط فيديو كل المواد المزعجة لنملؤها باخرى أو لنتركها فارغة . ليت لرشيد القدرة على محو التجارب المريرة من ذاكرته كما تمحى قصة كئيبة أو اغنية حزينة ليسجل فوقها قصة مرحة أو اغنية مفرحة ...ليت الخمرو المخدرات و حبوب الهلوسة كانت حلالا لتنسي رشيد ماضية القاتل و حاضرة المدمر و مستقبله الواعد بالشجن و الأسى .
نظر الي رشيد ثم اضاف
ـــ "" لولا الظروف الدراسية الشاذة، لكان المزّي في الفصل السادس ..وليس في الفصل الثاني، لن اسامح ذلك الشخص ابدا . كان راشدا حين فعل بي ذلك، يعني انه كان مسؤولا امام الله ، لن اسامحه ابدا . تنهد رشيد مرة اخري .
ــــ " كان "المزّي" من فصيلة " شريف، كان نعجة مثله لنقل كان نعجة كبيرة. لا اذكر عنه شيئا الا عبارات توسله و استعطافه كبار التلامذة حتى يتركوه في سلام ، كان مضطهدا على الدوام من قبل جميع نظرائه في السن، كان مثل الحمار القصير في متناول أي احد ان يركبه ، كان اشد رخاوة من شريف نفسه، اجزم لك اني كنت قادرا على هزمه لو تخليت عن خجلي ، وكان لا يقدر على غير التوسل." بجاه ربي اتركني، يرحم والديك سيبني "
في ذلك الصباح التاريخي الماطر و المثقل بالغيوم ، كنت واقفا تحت سقف الطابق الأول، كان المطر ينهمر بغزارة و كانت الممطريات زمنها من الكماليات. كنت أتحيّن فرصة صحو السماء لأغادرالمكان. كان المزّي جاثيا على ركبتيه بين يدي تلميذ كبيركان يتلذذ بليّ ذراعه، و كان المزّي يتوسل كعادته. في حين انني كنت انظر امامي الي خيوط المطرالتي كانت تنهمر من السماء ،في لحظة ما قدّرت ان المزّي قد يغضبه وجودي ورؤية ذلّه بين يدي معذبه، لأجل ذلك كنت اتظاهر بمراقبة المطر حتى لا امنحه فرصة اتهامي بالشماتة به و بالتالي فرصة ايذائي . رغم ذلك كنت اتوقع الكارثة، اخبرتك قبل قليل عن قدرة الإستثناية على تخيل اشد السيناريوات قتامة.ليتني غادرت المكان حتي لو ابتللت بل حتي لو كانت تنتظرني صاعقة من السماء، لكنني بقيت مسمّرا في مكاني، كنت انظر امامي حين بلغتني صيحة الم كبيرة اطلقها المزّي، يبدو ان معذبه قد بالغ لحظتها في ليّ ذراعه حين التفتّ عن يميني التقت عيناي بعينيه ، في اقل من لمحة البصر رفع المزّي راسه في وجه معذبه ثم قال:
ـــ " اتوسل اليك" اتركني .. و سأخبرك ماذا فعل رجل اعرفه بهذا الصبيّ " " ثم اشاربيده المطلقة اليّ ، احسستت بزلزال تحتي .دارت بي الدنيا ، إحمرّ وجهي في الحال، رغم برودة الجو و شعرت بحرارة شديدة في وجنتي، و بعرق بارد ينحدر على ظهري. بقيت مسمرا مثل فأر يائس امام مخالب قط مفترس... حيال شدة الصدمة لبثت مفغور الفم، سد علي الخجل كل منافذ الفرار، لم اقدر على فتح فمي بربع كلمة واحدة . كان دفاعى عن نفسي غير وارد اصلا. كنت اعلم خسة المزّي، كما كنت ادرك المدى الذي يتحرك فيه تفكيره، كما كنت اعلم جيدا ما عسى ان يفعله رجل غريب بصبي عاجز مثلي يشبه اخته ""
يبدو ان الرواية التي وعد المزي بروايتها قد راقت لمعذبه فاطلق سراحه فورا . كما جعلت الجميع يلتفتون نحوي ...احتجت لسنوات عديدة و أنا استعيد الحادثةآلاف المرات قبل ان اتوصل الي السؤال التالي :" لماذا عاملني هؤلاء الشبان جميعا بمثل تلك القسوة و الظلم ...و كان الجواب هو الآتي .. كنت تلميذ ذكيا" كما كنت محشوّا بالمعلومات التي قلما كانت تجتمع في راس صبي في مثل سني .. قلت لك لآنفا اني كنت ميالا العزلة وكانت جاذبية الكتب بالنسبة لي لا تقاوم .لأجل ذلك كنت انفق الساعات الأولى من ايام السبت و ألأحد في المكتبة العمومية. و كنت اطالع بنهم شيد كل مل تقع عليه يدي من كتب الأطفال .. لأجل ذلك كانت معلوماتي عزيرة بالقياس الي بغال في السادسة عشر من العمر لا يكاد الواحد منهم يحسن كتابة اسمه . كنت محبوبا من قبل مدرسي كان سي عبد الكريم رجلا محترما و مربيا فاضلا كان يشبه أي مدرس نرويجي في حبه لمهنته و صبره على تلامذته، كان مدرسا استثنائيا ،لا اذكر يوما انه ضرب تلميذا كان شديد الأناقة، في كل نهاية حصة كان يخرج من محفظته خرقة بيضاء اللون، ثم يضع قدمه على المصطبة و يشرع في تلميع حذائه .. كان شخصا رائعا رحم الله روحه الطيبة الله أكان حيا أو ميتا .. أكثر ما كان يزعج كبار التلامذة هو اخراجي الي السبورة من قبل سي عبد الكريم و امري بان اصلح ما اخطأ فيه احد هؤلاء، و كان ذلك يغيظهم، وفي كل مرة كان يوبخهم و يامرهم ان يقتدوا بي عوض صرف وقتهم في الملاعب و المقاهي وارصفة الشوارع .
كنت لا ازال تحت تاثير الإتهام الصاعق، حينما شرع المزّي في شرح تفاصيل حكايته المختلقة :
" بالأمس قابلني رجل يسكن في حيينا، شخص مغرم بالصبيان الحسان قال لي " سأسألك عن ولد في مدرستكم اسمه سامي احمد هل تعرفه ؟ اجبته فورا " " نعم ، اعرف فرخ صغير يدرس في نفس فصلي . سألته كيف عرفته ؟أ اجابني وجدته في الطريق فراودته عن نفسه، لم يمانع، اخذته معي الي المقبرة القريبة و هناك تركني افعل به ما اشاء ثم اعطيته عشرة دورو " بعد ذلك التفت نحوي و سألني "
ـــ "هل تنكر هذا ؟ " ثم وهو يلتفت اليهم
ــ " أن لم تصدقوني فأسألوه ....هو أمامكم "
لم ابال بسؤال الكبار و لا بتعليقاتهم البذيئة ، لأنني كنت في عالم آخر، كنت مصعوقا ، بلغ سلّم رشتر درجاته التسع تحت قدمي كان العرق البارد يغمرني، و كنت مشلولا و لا اقدر على الكلام ، وكان العار يملؤني من راسي الي اخمص قدمي، حين التفت الي جانبي وجدت شريف خلفي كان قد سجل كل تفاصيل الكذبة الكبرى، كانت رؤيتي لشريف اشد عليّ من رواية المزّي ..ادركت ان الإشاعة اصبحت في ايدي امينة ، و ان نقلها الي افراد اسرتي في حكم المؤكد، لبثت مصعوقا حتي دق الجرس معلنا عن انتهاء موعد الراحة و انتفاض التلامذة عني.، خمسون ثانية من من عمر الزمن كانت كافية لإدانتي و الحكم عليّ ، كما كانت كافية لرسم ماساتي، و تغيير حياتي، وادخالي الي الجحيم الأبدي دون كلمة صدرت عني ، أو مجرد اشارة تكذيب وجهتها لمن ادانني، كنت واقفا مثل صنم. لولا ضميري الديني الذي ولد معي مكتمل النضج، لما ترددت لحظة واحدة عن انهاء حياتي، وعلى عن الأقل تصفية شريف في اقرب فرصة، حتى أدفن معه تلك الإشاعة الباطلة.
كان استمرار شريف في البقاء لا يعني غير قتلي، ولم يكن في امكاني غير تركه ينجز مهمته و يقتلني، كان خوفي من نار جهنم شديد ا.عمن ورثت ذلك الضمير الديني ؟ من اين جاءني ذلك الخوف من الله ؟ كان ابي لا يفيق من السكر، و كان جدي قاطع طريق، و كان والد جدي مراب كبير ... اللعنة سبق ان أخبرتك عن كل ذلك . بعد يومين فقط كان كل افراد عائلتي على بالإشاعة الكاذبة ، وكان قد سبقهم اهل الحي الي معرفة ذلك، و منذ ذلك التاريخ اصبحت اعيش في جحيم حقيقي، في البيت و في الشارع و في المدرسة في كل مكان كانت العيون تحاصرني، و الإشارات تعذبني، و الكلمات تذبحني، و كنت غارقا في العار و مسربلا بالفضيحة وعاجزا عن الكلام، حتى ادفع التهمة عن نفسي، كنت اتمني الموت الف مرة و لا أموت"."
انخرط رشيد في بكاء مرير وجدت نفسي اشاركه البكاء، كنت ابكي بصدق و حرارة . لم ابك حتى يوم مات ابي ..لكنني بكيت قبل ذلك كنت في السابعة و العشرين لم ابك من الحزن أو الألم أو العشق بل بكيت من القهر والإحساس بالعجز و الضآلة و الهوان ... تم ذلك حين كنت ارتدي بدلتي العسكرية ... عندما تشاجرت مع النقيب أمر سريتي. كتب عني تقريرا رفعه الى آمر الفوج، بعد يومين استدعاني أمر الفوج، رافقني النقيب الي مقر القيادة لمقابلته ، كان يمشي امامي و انا اتبعه، لكن الحق كان يمشي بجانبي ، أما العدالة العسكرية العوجاءفقد كانت الي جانبه. أول تباشير العدالة العسكرية تمثلت في دخول النقيب لوحده الى مكتب آمر الفوج، حتى يجد الوقت المناسب لقول ما يشاء و ادعاء ما يشاء و تشويه صورتي بالقدر الذي يشاء، في حين بقيت واقفا امام الباب انتظرالإذن بالدخول. حين اذن لي بالدخول بعد حوالي ربع ساعة . واجهت ثاني تباشير العدالة العسكرية: اجباري على الوقوف لتحية آمر جالس يحتم عليه القانون العسكري الوقوف لتلقي تحيتي العسكرية وهو في وضع استعدا د ثم الرد بمثلها وهي في نفس الوضع .لكنه لم يفعل ذلك . كان آمر الفوج احمر مثل خنزير كما كان ازرق العين، كان غربي الملامح حتى لو خلطته بنرويجيين ما اخرجته من بينهم الا اذا نزعت سرواله و تبين لك انه مقطوع القلفة. كان علي ان اقف في وضع استعداد عسكري أي ان أكون مسبل اليدين ثم اقدم نفس لأمر الفوج " اسمي كذا كذت، رتبتي كذا.. السرية كذا الفوج كذا" أمرك يا حضرة كذا." .كان علي ان ابقى كذلك حتى ياذن لي باخذ وضع" الراحة، لأت اي نزع قبعتي والإ فراج بين قدمي ووضع يدي مشتبكتين خلف ظهري، كان ذلك العمل مهينا بالنسسبة لشخص مثلي ..فرتبتي بارزة على كتفي واسمي مكتوب امامه على راس التقرير، ثم انه يعرف انني بالإضافة الي وظيفتي العسكرية فأنا امام مسجد معين من قبله و قد سبق له ان حذرني من الدخول في السياسية، كما ان ذلك الخنزير يعلم جيدا انه آمر فوج مشاة و ليس آمر فوج دفاع جوي فلماذا يطلب مني تقديم تلك المعلومات .. لو قلت اسمي كولن باول و رتبتي جنرال و فوجي هو الفوج العاشر للمارينييز لقال لي كذبت اسمك سامي و رتبتك كذا .و فوجك كذا . ثالث تباشير العدالة العسكرية العمياء جلوس أمر سريتي على يمين آمر الفوج ليقوم بدور الخصم و الحكم . حين صدر الحكم ضدي انفجرت باكيا من القهر... من لم يعرف الحياة العسكرية في العالم الثالث يكون قد غاب عنه ركن عظيم من الظلم و الحيف ..الخدمة العسكرية تجعلك تكفر بالوطن و بالله و بكل القيم .. لأجل ذلك فان اول ما يبحث عنه المجند الذي ادي دين اوطن الكريه و قضي خدمته العسكرية هو البحث عن سبيل لمغادرة ذلك الوطن اللعين، ولو ركب زوارق الموت السرية ثم لو انفق احلي ايام عمره مع عجوو نرويجية في عمر جدته، المهم الا يرجع الى الوطن اللعين وطن الظلم و ألإهانة و القهر. في ثقافتنا العربية البكاء عارعلى الرجال ... الرسول كان يبكي بكي مرة لوفاة ابنه ابراهيم كان عمر الصبي عامين ... اثار ذلك عجب الصحابة واصل البكاء قال لهم ان البكاء تعبير عن الحب .
بعد أكثر من ثلاثين سنة ها انا ابكي للمرة الثانية في النرويج تضامنا مع رشيد بعدما بكيت تضامنا مع حارث بيتروفيتش .
كتبها حمادي بلخشين في 02:47 مساءً ::
